فخر الدين الرازي
352
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المعنى وجوها : أحدها : لم ينفعه ماله وما كسب بماله يعني رأس المال والأرباح وثانيها : أن المال هو الماشية وما كسب من نسلها ، ونتاجها ، فإنه كان صاحب النعم والنتاج وثالثها : مالُهُ الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه ورابعها : قال ابن عباس : ما كَسَبَ ولده ، والدليل عليه قوله عليه السلام : « إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه » و قال عليه السلام : « أنت ومالك لأبيك » و روي أن بني أبي لهب احتكموا إليه فاقتتلوا فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع فغضب فقال : أخرجوا عني الكسب / الخبيث وخامسها : قال الضحاك : ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة رسول اللّه وسادسها : قال قتادة : وَما كَسَبَ أي عمله الذي ظن أنه منه على شيء كقوله : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ [ الفرقان : 23 ] وفي الآية سؤالات . السؤال الأول : قال هاهنا : ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ وقال في سورة : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى [ الليل : 1 ] فما الفرق ؟ الجواب : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [ الحاقة : 28 ] وقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . السؤال الثاني : ما أغنى عنه ماله وكسبه فيما ذا ؟ الجواب : قال بعضهم في عداوة الرسول : فلم يغلب عليه ، وقال بعضهم : بل لم يغنيا عنه في دفع النار ولذلك قال : سَيَصْلى . [ سورة المسد ( 111 ) : آية 3 ] سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) وفيه مسائل . المسألة الأولى : لما أخبر تعالى عن حال أبي لهب في الماضي بالتباب وبأنه ما أغنى عنه ماله وكسبه ، أخبر عن حاله في المستقبل بأنه سيصلى نارا . المسألة الثانية : سَيَصْلى قرئ بفتح الياء وبضمها مخففا ومشددا . المسألة الثالثة : هذه الآيات تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه أحدها : الإخبار عنه بالتباب والخسار ، وقد كان كذلك وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده ، وقد كان كذلك . روى أبو رافع مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام دخل بيتنا ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا ، وكان العباس يهاب القوم ويكتم إسلامه ، وكان أبو لهب تخلف عن بدر ، فبعث مكانه العاص بن هشام ، ولم يتخلف رجل منهم إلا بعث مكانه رجلا آخر ، فلما جاء الخبر عن واقعة أهل بدر وجدنا في أنفسنا قوة ، وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح ألحيها في حجرة زمزم ، فكنت جالسا هناك وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه ، فجلس على طنب الحجرة وكان ظهري إلى ظهره ، فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ، فقال له أبو لهب : كيف الخبر يا ابن أخي : فقال : لقينا القوم ومنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف أرادوا ، وأيم اللّه مع ذلك تأملت الناس ، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض ، قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة ، ثم قلت : أولئك واللّه الملائكة ، فأخذني وضربني على الأرض ، ثم برك علي فضربني وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته على رأسه وشجته ، وقالت : تستضعفه أن غاب سيده ، واللّه نحن مؤمنون منذ أيام كثيرة ، وقد صدق فيما قال ، فانصرف ذليلا ، فو اللّه ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه اللّه بالعدسة فقتلته ، / ولقد